بساتين النخيل المتعبة تكشف ضعف الاقتصاد العراقي زراعة و صناعة التمور في العراق تدهورت كما هو الحال مع باقي مفاصل الحياة
تاريخ الخبر: 20/09/2009 الساعة 07:02
تمت قراءة الخبر:537مرة
|

ما بين نهاية شهر تموز وبداية شهر آب من كل عام, يبدأ موسم حصاد التمر في العراق حيث تحيل شمس الصحراء اللاهبة ثمرات التمر الاخضر ضمن تلك الاسابيع القليلة الى فاكهة رقيقة ذهبية - بنية اللون ,حتى انها تقدم احيانا كهدية قيمة لحلاوتها وجودتها
لكن في بلد مثل العراق الذي يعد احد الاماكن حيث تطورت الزراعة قبل اكثر من 7000 سنة مضت, فأن هنالك شكوكا عميقة تكتنف امرالاهتمام بنمو وانتاج التمور او اي شيء اخر يمكن زراعته ربما
مؤخرا و كما كان الحال عليه خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي, فقد كان العراق يعيش حالة اكتفاء غذائي ذاتي فيما يخص انتاج الحنطة و الرز و الفواكه والخضروات فضلا عن الاغنام و منتجات الطيور الداجنة. اما قطاع الصناعة العراقي فكان يصدر المنسوجات والصناعات الجلدية بما فيها الحقائب والاحذية, فضلا عن الحديد و الاسمنت. لكن الحروب والعقوبات و سوء الادارة والمنافسة الدولية فضلا عن انعدام الاستثمارات الخارجية ادت كلها الى تحول كل تلك الصناعات الى محض ظل لما كانت عليه في الماضي..
شيئا فشيئا وببطء واضح, تحول اقتصاد العراق الى نمط مبني اجماليا على الاستيرادات و تصديرالسلعة المنفردة
في هذا السياق , يعلق السيد غازي الكناني و هو اقتصادي عراقي عن هذ الموضوع , يعلق قائلا" ان ما يربو على 90% من عائدات الحكومة العراقية تأتي من خلال ريع مبيعات النفط. و في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الى اجتذاب الاستثمارات في مجال القطاع الخاص, فأن العراق لا يزال يجد نفسه في ضروف صعبة و معقدة جدا دونما كهرباء كافية و صناعة متحركة دون الحاجة الى ذكر مشكلة الجفاف
لقد تعرض قطاع الصناعات الزراعية على وجه الخصوص لدمار كبير لاسيما خلال فترة السنوات الخمس الماضية و بصورة واضحة في بلد بساتين النخيل الشاسعة و الوافرة الذي لا تشابه حالته اي بلد اخر. لقد تركت اشجار النخيل لتواجه حتفها موتا بسبب نقص المياه و الاصابات الفطرية و الحشرات الضارة و الناقلة للاوبئة التي اودت بآلاف الاطنان من الفواكه لا لشيئ الا لكون تلك الاشجار-الضحايا- موجودة في بلد لا يملك سوى 3 طائرات رش مبيدات بـ3 طيارين محترفين و حسب
و لنا ان نذكر ان موافقة القوات الامريكية لا تزال مطلوبة عند اقلاع و استخدام اي من هذه الطائرات اليتيمة الثلاث. و حتى اكثر ملاك بساتين النخيل ثروة و نفوذ و سطوة يعانون الكثير الان. من جملة هؤلاء الملاكين السيد فرعون احمد حسن البالغ من العمر 62 عاما و هو سليل اسرة متنامية الحجم قضت حياتها في زراعة و انتاج التمور و يرأس في الوقت ذاته الوكالة الحكومية المتخصصة بالاشراف على انتاج التمور العراقية. يقول السيد حسن ان بساتين عائلته التي تمتد على مساحة 62 هكتار الواقعة جنوبي بغداد تنتج الان ضمن ادنى مستوياتها التاريخية على الاطلاق
و يضيف السيد حسين قائلا" انني مستعد لانفاق اموال اكثر عليها و لكني اعلم مقدما ان الوضع لا يساعد على ذلك. و تحت ضروف طبيعية مماثلة, فأن من يتوفر على مليكة بهذا الحجم يكون رجلا غنيا جدا
ان من المفارقات ان العراق الذي كان في يوم من الايام ينتج ثلاث ارباع انتاج العالم من التمور المتوزعة على ما يربو من 629 نوعا مختلفا من التمور اصبح الان ينتج اقل بكثير مما تنتجه دول اخرى مثل مصر و ايران و السعودية. و على سبيل المثال , فقد انتج العراق العام الماضي ما يقرب من 281000 طن من التمور حسب ارقام وزارة الزراعة العراقية, الامر الذي يعادل ما يقرب من نصف انتاج العراق ابان فترة منتصف ثمانينيات القرن الماضي
من جانب آخرو فقد انخفض عدد اشجار النخيل في العراق الى اقل من 9 ملايين نخلة بعد ان كان يقدر ب 33 مليون نخلة ابان فترة خمسينيات القرن الماضي. و كما هو الحال مع عدد اشجار النخيل, فقد انخفض عدد معامل معالجة و كبس التمور العراقية الى 6 فقط بعد ان عددها يقدر ب 150 معمل ما قبل الغزو الاميركي للعراق ربيع العام 2003. و تتويجا لكل ما ذكر انفا, فأن التمور العراقية بدأت تعالج و تكبس في دولة الامارات العربية المتحدة على مبعدة 865 ميل جنوبي العراق
من جانب اخر, فأن المسؤولين العراقيين و الاميركيين يقولون ان تراجع حظوظ انتاج التمور العراقية و باقي انواع المنتجات الزراعية الموسمية الاخرى ادى الى تغذية التمرد بسبب حالة الاحباط من جهة و البطالة بين الرجال من جهة اخرى
كما يضيف المسؤولون الحكوميون العراقيون ان انخفاض اعداد النخيل تسبب بتدهور بالصحة العامة والبيئة كذلك. ففي الوقت الذي بدأ زارعو النخيل بهجر مزارعهم, فأن تلك المزارع التي كانت فيما مضى واحة خضراء تشكل حلقة تحيط ببغداد انسحرت و تلاشت مسببة تزايدا متصاعدا بالعواصف الترابية التي ضربت العاصمة هذا الصيف, ما ادى الى تفاقم من معدلات امراض الربو و الامراض التنفسية الاخرى
لكن برغم كل ذلك التدهور, لا تزال التمور تمثل سلعة دائمة و رائجة في العراق بالنظر الى قيمتها و قدرتها على البقاء طازجة بدون تبريد, فضلا عن كونها تمثل مصدرا غذائيا رئيسيا و غنيا يستعمل في صنع الخل و الحلويات و اطعام الحيوانات كمادة علفية. كما انها تمثل مصدرا بديلا رخيصا للسكر كذلك
كرئيس لشراكة تضم 12 شقيقا و 6 شقيقات, فأن الدكتور حسين يرأس ما كان يوما واحدا من اكثر بساتين النخيل المثمرة و الناجحة الممتدة على ضفة نهر دجلة ضمن منطقة الدورة جنوبي بغداد. صبحية احد الايام الصيفية اللاهبة, اخذنا الدكتور حسين في جولة داخل بستانه الكبير. ان قصة ذلك البستان الذي تملكه عائلته منذ العام 1910 تعد قصة تدهور و تراجع منذ حين
بسبب مقدار الاموال التي يستحصلها لقاء محصوله من وزارة التجارة التي تشتري معظم التمور المنتجة في العراق, فأن تلك الاموال تقل احيانا حتى عن كلفة الانتاج حسب قوله, الى الحد الذي بدأ يدفعه لعدم الاستثمار في تلك الحقول
وحتى اكثر النخيل انتاجا تدر ثمرا اقل و لا تزال كل عام. في الاوقات الطبيعية , كانت كل نخلة تنتج ما يقارب من 60 الى 70 كيلو غرام من التمور سنويا
في العام الماضي, لم تنتج كل نخلة سوى 15 كيلو غراما من التمر. لكن الدكتور حسين يأمل ان يرتفع انتاج نخيله هذا العام الى 45 كيلو غراما للنخلة الواحدة
ان الكثير من نخيل بستان الدكتور حسين البالغ عددها 4000 نخلة و التي تعيش بالمعدل لما يقرب من 120 سنة, لكن الكثير منها ليس في حال صحية جيدة كما هو واضح. ان العديد من سعفات اشجار نخيله تبدو ذات لون بني, فيما تعشعش الحشرات الضارة بيضاء اللون في اعشاش تشبه شباك العنكبوت على رؤوس تلك الاشجار
في سياق متصل , فأن ما يقرب من نصف اشجار نخيل البستان تروى عن طريق مياه الابار, فيما النصف الاخر يروى من مياه دجلة. لكن بسبب حالة الجفاف غير المسبوق التي تجتاح العراق للعام الثاني على التوالي, تم توجيه الفلاحين بتقليص عدد مرات السقي لبساتينهم الى مرتين في الشهر بعد ان كانت مرة كل اسبوع
ان اشجار الفواكه المزروعة اسفل النخيل مثل البرتقال و الجريب فروت و الرمان تبدو و كأنها على وشك الموت عطشا. اما الارض فانها تبدو كعظمة بيضاء جافة و مغبرة
و حتى بعض اشجار النخيل التي لا تحتاج سوى مقدار قليل جدا من الماء تبدو و كأنها تذبل. اما مشكلة الملوحة , فقد اصبحت بمثابة مصدر قلق اخر يتهدد الجميع
لكن الدكتور حسين عاد و اشار الى بعض من نخلات بستانه الاكثر صحة
و اضاف الدكتور حسين قائلا" ان عمر هذه النخلات يبلغ 40 عاما و انا اكن لها قدرا خاصا من المشاعر و الحب كوني انا الذي زرعتها بنفسي و شهدتها بأم عيني تنمو و تكبر
و حتى داخل ذلك البستان تظهر اشارات جلية على حالة الحرب في العراق متمثلة بما يرافق الدكتور حسين من حراسه الشخصيين البالغ عددهم 5 افراد , واحدهم مسلح على الاقل
على مقربة طرف من بستان الدكتور حسين , تتمركز قوة عسكرية من افراد البيش مركة يبلغ تعدادها 50 فردا. انهم يضطلعون بواجب حماية مسكن الرئيس العراقي جلال طلباني ,و هو كردي يعيش مقابل البستان على الجهة الاخرى من النهر
يعتقد الكتور حسين انه برغم حالة عدم الاستقرار التي تسببت بها الحرب, فأن صناعة التمور العراقية يمكن ان تتعافى فيما اذا قامت وزارة التجارة العراقية برفع اقيام مدفوعاتها للفلاحين مقابل تمورهم
و لو امكن استعادة امجاد بساتين النخيل العراقية الماضية مرة اخرى, فأن باقي القطاع الزراعي قد يستعيد عافيته كذلك
لكن وزارة التجارة قالت من جانبها ان انخفاض اسعار و عائدات النفط العالمية - التي تعد مادة التصدير الوحيدة التي يعتمد عليها الاقتصاد العراقي - ادت الى عدم امكانية رفع مدفوعات الفلاحين لقاء تمورهم
من جانب اخر , فأن احدا من ابناء الدكتور حسين لا يهتم لامر بستان النخيل العائد للعائلة. ان ابنه الاكبر صيدلاني فيما ابنته الاصغر مهندسة. امه ابنته الصغرى فطالبة في كلية العلوم و لا تبدي اي اهتمام بأمر الزراعة
و استدرك الدكتور حسين بالقول ان بستان نخيله سيموت على الاغلب معه
و اضاف بصوت متحشرج قائلا (سوف ينتهي امر هذا البستان للبيع. و سيكون الامر مؤلما بالنسبة لي لو حصل ذلك فعلا. لكنني انجزت واجبي تجاه عائلتي و تقاليدي. و ليس بوسعي فعل اي شيء اخرعدا ذلك)!.
| |
|
| تعليقات القراء | عدد الردود 0 |
|